الشيخ محمد علي الأراكي
78
أصول الفقه
وقد يستدلّ بمرسلة الصدوق : « كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي » والاستدلال به مبنيّ على أن يكون المراد بقوله « يرد » « يعلم » ، فيكون المعني : كلّ شيء لم يعلم فيه النهي فهو مطلق ، فيكون عنوان مشكوك الحرمة داخلا في موضوع الحديث . لا يقال : إنّ عنوان مشكوك الحرمة أيضا شيء لم يعلم النهي فيه ، فيكون لأدلّة الاحتياط ورود على هذا الحديث . لأنّا نقول : الضمير في قوله : « فيه » راجع إلى نفس الشيء ، فالمعنى أنّ كلّ شيء لم يعلم ورود النهي فيه بعنوانه الأوّلي فهو بعنوانه الثانوي الذي هو كونه مشكوك الحكم يكون مطلقا ، فيكون موضوع الحديث هو الشيء بعنوان كونه مشكوك النهي ، كما في أدلّة الاحتياط ، فيكون بين هذا وتلك الأدلّة التعارض على فرض تماميّتها سندا ودلالة . وأمّا لو كان المراد بالورود هو الورود الواقعي بأن يكون المراد أنّ الأشياء قبل ورود النهي عنها شرعا يكون على الإباحة ، فالاستدلال حينئذ غير وجيه ، وذلك لأنّ الشبهة الحكميّة لم يعلم أنّه ممّا ورد فيه النهي أو لم يرد ، فيكون التمسك فيها بالحديث تمسّكا بالعام في الشبهة المصداقيّة . إلّا أن يقال : إنّه يمكن تنقيح هذا الموضوع في الشبهة الحكميّة بالاستصحاب ، فإنّ موضوع شرب التتن مثلا لم يكن النهي عنه على فرض وجوده إلّا حادثا ولم يكن ثابتا في الأزل ، فعدم ورود النهي فيه في الأزل ثابت على كلّ حال ، فيستصحب هذا العدم فيقال : إنّ شرب التتن ممّا لم يرد فيه نهي بمقتضى الاستصحاب ، وبعد ذلك يحكم باندراجه تحت قوله : « مطلق » ، ولكن بعد جريان هذا الاستصحاب فهو يكفينا لإثبات المرام ولا حاجة معه إلى التمسّك بالحديث . « 1 »
--> ( 1 ) - يمكن تصحيح التمسّك مع ذلك بأن يقال : المراد بقوله : « يرد » هو البروز والظهور على النحو